– مدونات محمد أبور حمة
هذا المقال لاحق للمقال السابق بعنوان :

محمد أبو رحمة
بينَ غُرْبالِ الرَّمَطَة وليْفةِ العايِبة.. ماذا يجري في سوريا ؟
- من لديه القليل من الحرص الصادق على سوريا
… عليه ان يدفع باتجاه لجم الآلة الأمنية التي انفلتت على الناس ..
لأنها تزيد من غضب الشارع ولا تلبي حاجات السوريين
.. وهي أخيرا تضع سوريا حيث يريدها أعداؤها بالضبط .
مقدمة لا بد منها
صحيح ان اعتبارات كثيرة تفرض علي النأي قدر الامكان عن الألفاظ البذيئة ، بيد اني لا اجد في هذا المقام أكثر تعبيرا عن واقع الأنظمة وإعلامها، من نكتة سردها لي صديق فسألني:
امرأة ساقطة حبلت .. كيف؟
فسألته : كيف؟
فأجاب : إصابة عمل!!
كانت سياسات هكذا زعماء وما يصدر عنهم من قرارت وما عكسه منظورهم للاعلام ودوره أقرب الى لائحة طويلة من اصابات العمل بهذا المعنى.
بينما تستشري كالمرض الجلدي بقع الفقر ، والقهر، والتخلف وتزيد اتساعا كلما زادت ارصدة الزعماء وذويهم انتفاخا وتكرشا وصلفا وتألها.
وكان شاهد الزور ومزور الشهادة في كل ذلك هو وسائل اعلام هؤلاء ، حيث لا يصير اعلاميا الا من كان مخبرا ، ولا يكون صحافيا الا من تدرب على كتابة التقرير الصحفي عبر كتابة التقرير الأمني، حتى يمكن وصف الاعلام في ظل هكذا انظمة باعلام المخبرين.
ولمن يشاء أن يتخيل مضمون الحديث عن حرية التعبير في ظل هكذا وضع! حيث يعيش الناس أسرى القناة الواحدة، والمذيع الأوحد، والنبأ الوحيد والصورة الوحيدة!
(استقبل … وودع … وتباحثا في الشؤون التي تهم البلدين؟… وقص الشريط ….أما السبق الصحفي ” فهو أنه رزق بمولود جديد”).
بل احترقت على تلفازنا الأوحد كل الاعيب المخرجين لبرامج الحوار والاتصالات حتى باتت الحمير قبل البشر تعرف ان البرنامج اتصل بالمتصلين قبل ان يتصلوا، وأوصاهم بالاتصال؛ كي يتواصل البرنامج مع الجمهور.
الخلوي الفضائيات والانترنت
في ظل هذا الوضع ظهرت الفضائيات والخليوي والانترنت ثلاث وسائل اتصال قلبت فلسفة الاعلام خلال عقد التسعينات ،وبعيدا عن التفصيل في شأن كل وسيلة منها ودورها .
لكن عصر الفضائيات اعطى للناس سبلا كثيرة للتخلص من اعلام من تعرضوا “لإصابات العمل” المنتشرين في الإعلام الرسمي ، لقد منحت الناس “جهاز التحكم عن بعد”.
وسأكتفي بالاشارة الى دور الفضائيات بالذات نظرا لكونها لأوسع انتشارا ، والأبعد تأثيرا.
لقد شكل ظهور الفضائيات واتساع انتشارها ما يشبه الصدمة الاعلامية والمعرفية والثقافية بكل معنى الكلمة ، بعد أن عاش الانسان العربي عقود متلاحقة وهو يدور في حلقة مفرغة ، اعلاميا عكستها الحلقة المفرغة سياسيا واقتصاديا تحت وطأة الأنظمة ، وباستثناء مؤتمر قمة ينعقد ،كالحمل غير المقصود، بين عام آخر وظرف سياسي وآخر ،فما من شيء يحدث.
لكن في زمن الفضائيات والانترنت يستطيع من يشاء، متى شاء، أن يغير القناة بلا جهد يذكر، وأن يرى الحدث من كل نواحيه، ووجهات نظره، وتنوع ردود الأفعال عليه.
وفي كل الأحوال فان اهم ما حققته هذه الوسائل لا يقف عند ما تملكه كل وسيلة بذاتها من امكانات، بل في جانب تحول هذه الوسائل الى وسائل جماهيرية شعبية .. اي اهميتها لا تكمن فقط في وجودها بل في حجم انتشارها، واتساع هذا الانتشار ليغطي كافة شرائح المجتمع .. وبتنا نعرف بشكل مضطرد أكثر دور ما يعرف بصحافة المواطن.. او اعلام العامة.. او اعلام الجمهور .
الأمر الذي لم ينه احتكار السلطة فقط للاعلام ؟.. بل انهى حتى احتكار وسائل الاعلام للاعلام ايضا .
فما من عائق بين اي مواطن عادي وبين الانترنت الذي يخصه لينشر عليه الفيديو الذي صوره على الهاتف الخاص به ..
وهو أمر ادى بالتالي الى قابليات غير مسبوقة للتواصل بين الناس ، والى تعقيد محاولة اي جهة مهما كانت نافذة لأخفاء الحقيقة .
وهكذا أدى الاعلام دورا جوهريا في توضيح ما يجري في العالم، حتى لو كان ذاك التوضيح غير متفق عليه ، ومحل جدل .
ناهيك عن تكريس دور الإعلام كأحد وسائل الحرب ومن أكثرها تأثيرا، ولعل أهم دور يلعبه الاعلام وربما أكثره قذارة هو جانب الحرب النفسية.
ولكي لا يأخذنا الغلو لا بد من توضيح الحقائق التالية:
- ان الاعلام يستغل كوسيلة في صراع أو حرب قائمة .. ولا يمكن ان يختلقها.
وأتساءل حول ما اذا كانت وسائل الاعلام السوري أو “المعادي” قد عكست حراكا موجودا أم اختلقت كلاهما مادتها الإعلامية؟!
ومن المفارقات التي تذكر هنا : أن فيديو التقطته كاميرا مراقبة في محل تجاري يسجل عملية اعتراض سيارة يستقلها عدة اشخاص لراكب دراجة ثم قتله ،فقد عرضه التلفزيون السوري باعتباره يوثق لعملية قتل رجل أمن من قبل العصابات، وعرضته في نفس الوقت عدة وسائل اعلام”معادي” باعتباره يوثق عملية قتل الأمن السوري لمواطن عادي؟!!
وهكذا استعمل نفس الدم ولكن بمعنيين، ومن أجل هدفين مختلفين!
مع ملاحظة ان الغالبية الساحقة من التسجيلات التي توثق خطايا الأمن السوري وتنتشر بلا توقف على الانترنت قبل ان تجد طريقها للفضائيات، يتضح للمدقق ،حسب حركة الهاتف الذي يصور وزاوية التصوير ، انها سجلت من قبل مرتب أمني من بينهم، يشهر هاتفه النقال ويصور أمام زملائه، فكيف تجد طريقها الى الانترنت؟
فهي لم تصور من قبل مندوبي الفضائيات ووكالات الأنباء، الذين تم منعهم على كل حال من البقاء في سوريا؟
وفي أي وضع يجد انفسهم من يتنطعون لإنكار كل هذه الأحداث؟ أو الزعم بأنها صنيعة فضائيات معادية؟
- أن تأثير الاعلام في المعارك الاستراتيجية والبعيدة المدى يحقق تأثيرا أقل في حين يحقق أثرا أكبر وأكثرا حسما حين يتدخل في الصراع كوسيلة مباغتة ، أقرب الى قوات تدخل سريع.
وأتساءل هنا : هل كانت وسائل الاعلام التي صنفت بالمعادي لسوريا تستكمل حربا اعلامية كانت بدأتها منذ سنين ، أم ظهرت فجأة وشنت حربها فجأة؟
فقناة الجزيرة مثلا التي لم تتوقف عن اثارة الجدل بشكل يعكس فشلا عاما لدى الأنظمة في التعامل مع وسيلة اعلام واحدة ،على ما يبدو للرائي من بعيد، لكنها في الحقيقة تعكس رفضا مستعصيا لدى تلك الأنظمة في استيعاب فكرة وجود اعلام عربي خارج سلطة النمط التي كرسها منظورهم للاعلام ، ومما يثبت رفضهم لفكرة تعريب الاعلام هو تسابقهم ، بل لهاث بعضهم على إجراء مقابلة مع سي ان ان مثلا ، أو أية صحيفة حتى من تلك التي مارست تبجحا فاضحا في معاداة العرب ، ومصالحهم، ودعمت ،بشكل لا لبس فيه، العدو الصهيوني في كل جرائمه ودافعت عنه، وكل ذلك لم يحل دون لهاث الزعماء على مقابلة معها، أو الادلاء بتصريح لها؟! لكنهم في حالة وسيلة اعلام عربية مهما كانت صادقة أم مريبة يضيقون بها!
وأشير هنا الى مفارقة استوقفتني وانا أطالع ردود أفعال بعض المثقفين والناشطين على ما يجري في سوريا ، ففي حين كنت شخصيا لا اكف عن انتقاد الجزيرة في تدشينها لحقبة الاتصال بالصهاينة واستمزاج آرائهم حتى في ظروف المجازر والحروبّ ، وكذلك فتحها لملفات سياسية وأحقاب تاريخية لغايات التشويق الاعلامي لا أكثر، وربما لاعتبارات البزنس الاعلامي دون اكتراث بمفاعيل فتحها لتلك الملفات على الشارع المستهدف، كان كثير ممن يهاجمونها الان ضيوفا ثابتين على برامجها، ومحللين معتمدين لدى الكثير من مذيعيها ومندوبيها!! وهم مدينون لها بالشق الأكبر من شهرتهم وذيوع صيتهم، فلماذا تحولت في نظرهم فجأة الى قناة مشبوهة ؟ لست أدري؟
ولا أدري لماذا بات علينا كمنحازين للشرفاء ممن ينتفضون الآن ويضحون بحياتهم أو يجرحون أو يعتقلون أو يسيرون في مظاهرات ،أن ننجر لحديث يشبه خض الماء، حول وسيلة الاعلام هذه أو تلك، كأن المعركة أولها اعلام وآخرها كلام، فلا احتجاجات تقع، ولا انظمة تعالج بفشل وتخلف، ولا ابرياء يسقطون؟!
وأود هنا أن اضع الاحصائية التقريبية التالية: تتحدث الأرقام عن حوالي الفي قتيل،وخمسة آلاف جريح،وعشرين الف معتقل! فاذا أضفنا ثلاث مئة متظاهر مضروبا بعشرة مناطق في كل سوريا ولا نقول أكثر يصبح مجموع المنخرطين في الأحداث في سوريا سبعة وخمسين ألفا ، فإذا أضفنا حوالي خمسمئة قتيل بين اجهزة الأمن والجيش ، وحوالي الف وخمسمئة جريح ؟ ..
يصير عدد المنخرطين في الحدث السوري 59 ألف بني آدم ، فاذا ضربنا الرقم بمئة قريب لكل شخص .. ليتفضل أحد وليضرب 59 ألفا في 100 وليحتفظ لنفسه بالجواب لكنني عندما استعملت هاتفي النقال لإجراء العملية الحسابية أجابني الهاتف ” الرقم كبير ولا يمكن عرضه” !.. وهو رقم الذين تأثروا بالأحداث مباشرة !.. ولنضع جانبا من تأثروا بشكل غير مباشر ..
لكن ليسمح لي بأن أسأل : هل اختلقت وسائل الاعلام كل هذه الأحداث واخترعت كل هذه الأرقام؟
حتى يترك الجميع ما يجري ليتعربشوا بالهجوم على وسيلة الإعلام هذه أو تلك؟
طيب هل يوجد بين الشعب السوري سبعة وخمسين الف انسان مستعدون للانخراط في مؤامرة؟ أو تحركهم وسيلة اعلام؟! .. ونحن نتحدث عن شعب ظل عبر تاريخه المنظور على الأقل عرضة لهجوم كل انواع الإعلام ، والتأثيرات والحروب من كل نوع؟! ..
أن الصراع على ثقة الجمهور “وضمان تصديقه” هو جوهرة التاج بالنسبة لكل وسيلة اعلام سيما في ظروف الصراع والحرب.
ويمكن التساؤل هنا ايهما حظي بثقة الجمهور السوري الاعلام السوري أم المضاد؟ ولماذا؟
مع ملاحظة ان التلفزيون السوري مثلا ما زال بعد مرور خمسة أشهر من بدء الاحتجاجات ، التي تأثر بها الرقم التقريبي أعلاه بشكل مباشر ، يبث برامجه العادية.. ؟!
ولم تستوجب عمليات قتل كل هذا العدد ” من الجنود ورجال حفظ النظام” واستشراء العصابات، وقف البث العادي والبدء ببث برامج او متابعات خاصة ، الأمر يعكس حقائق كثيرة ابرزها ،ان العقلية التي يدار بها الاعلام السوري لم تسمع بعد بالفضائيات ولا الخلوي، ولا الانترنت.
في حين يحتل الحدث السوري أغلب ساعات بث القنوات التي صنفت بالمعادية؟!
ردود افعال المثقفين طبللي تزمرلك
ويمكن اضافة المناقشات والمداخلات عبر الانترنت الى الحرب الاعلامية الدائرة ، وافترض ان الكثير من اللذين اخذوا هذا الجانب او ذاك مما يجري في سوريا ، قد وجدوا في هذه المسألة حقلا للتعبير عن اشكالات لا علاقة لها بالحدث السوري ، بقدر ما تعبر عن خلافات أخرى (بضم الهمزة أو بفتحها وتسكين الخاء) سيان.
حتى بات أصحاب الحدث نفسه نظاما ومنتفضين عليه في سوريا خارج الموضوع تماما.
فلست أفهم ما الذي سينفع النظام حين تكون خلاصة ما يقوله المدافعون عنه: أن الشعب السوري مقسم بين عصابات هي خليط من بدو متخلفين وسلفيين والباقي موساد؟!
ويمكن ملاحظة لائحة من المفردات التي تصف المنتفضين من قبل المدافعين عن النظام فهم: همج ، رعاع ، مندسون ، خون ، عملاء ، مارقون ، حثالات ، سلفيون ، كاذبون ، ملفقون ، متآمرون .
طيب اذا كان الشعب السوري يحوي بين فئاته كل اولئك الذين تنطبق عليهم الصفات أعلاه ألا يدلل ذلك على فشل النظام .
اذ من غير المتصور عقلا ومنطقا أن أحكم شعبا كل هذي السنين ولا أنتج سوى الحثالات؟! والمندسين ! وكل المرادفات التي تعكس موقفا استعلائيا فوقيا، اقصائيا، والغائيا ليس فقط للمحتجين بل حتى لقابليات الذهاب بالأزمة نحو حل يليق بشعب من أعظم الشعوب العربية وأعلاها وعيا ، وأكثرها تضحيات.
وفي المقابل لا أفهم أي فائدة سينالها المنتفضون من مؤيديهم حين يجدونهم وقد تركوا كل قضايا الراهن الذي ينتفضون ويضحون لتحسينه أو تغييره ،ويغرقون في عمليات اجترار، ليست كلها مضحكة، للتاريخ القريب منه والبعيد .. حتى تفتقت قريحة أحدهم عن تحميل عائلة الأسد مسؤولية هزيمة 67 واحتلال الجولان ؟! وهي لم تكن بعد في السلطة!
بينما غرق غيرهم في فتاوى الملل والنحل، والنبوءة التي تحدد عدد الطوائف التي ستنقسم اليها الأمة وتحديد النخبة صاحبة الحظوة؟؟
انني أجد بصراحة ان طرفي المعادلة في سوريا ” النظام والمنتفضين عليه” قد نالهم من مؤيديهم قول المثل:معاداة عاقل خير من مودة أحمق .
أن الأحداث في سوريا امر واقع على الأرض .. وليست تجربة (إعادة منتجة) و(فهلوة مونتير) على برمجيات تركيب الأفلام !!
الاحتجاجات أمر واقع والاعتقالات والجرحى .. والمظاهرات .. وجدل الأعداد لا يفضي الى نتيجة.. لقد سرنا في مظاهرات بما يكفي .. ونعرف الفرق بين الرقم الحقيقي وذاك الذي تظهره زاوية الكاميرا …
لكن من لديه القليل من الحرص الصادق على سوريا عليه ان يدفع باتجاه لجم الآلة الأمنية التي انفلتت على الناس .. لأنها تزيد من غضب الشارع ولا تلبي حاجات السوريين .. وهي أخيرا تضع سوريا حيث يريدها أعداؤها بالضبط .
لقد شكلت المتغيرات التي وقعت في العالم العربي ومنها سوريا ، وردود الأفعال التي استدعتها معطيات تسمح باستنتاج ان انتفاضات العرب المتلاحقة قد جعلت من هذه المتغيرات حدثا يمكن تشبيهه بالأحداث الكبرى التي لم يعد العالم بعدها كما كان قبلها..
ولعل أعظم ما أنجزته انتفاضات العرب حتى الآن هي انها فتحت احتمالات الواقع على ممكنات مختلفة ، وكانت مغلقة.
حتى يمكن تشبيه الوضع في البلاد العربية قبل تونس بالبركة الراكدة التي ما أن سقط فيها حجر وأخذت دوائره تتسع حتى سقط آخر وأخر ، وفي حين شق كل حجر مساره الخاص داخل الماء، إلا أنه أحدث دوائره التي تفاعلت على السطح، حتى بات من العصي على المتابع، مهما بلغت دقة بصره، أن يحدد لمن يرجع هذا القوس، وكيف اتحد بذاك او تناقض معه أو أثر فيه. لكنه ، وتلك أجمل الحقائق ، يظل ماء واحدا.
جميع الحقوق لا يمكن حفظها
moh.aburah@gmail.com