سفينة الأحلام
محمد أبو رحمة
لم يعد يثق بدلالة الصورة على شاشة البصر ، سنموت كلنا في النهاية خارج أعشاشنا غالبا.
كان دقيقا قبل ذاك في الرؤيا وفي النظر . يرى شريكته النملة في المطبخ وشريكته النحلة في الإعجاب بتنوع الألوان في حديقة أمه اليانعة على مدار السنة، وقاتل الفراشة المأجور في المتحف الوطني، وعندما لم يكن “غضيب الوالدين” بعد.
كان السبع والضبع والذئب وكل الوحوش المستأنسة فضلا عن أنه كان أمين السر الأبكم الحنون لخيبات العائلة.
يروح إلى الدكان، كي يرسل طبخة الخبيزة الساخنة والكرشات إلى الجيران ويميل في طريق عودته لتفقد ظل التينة العملاقة واستلام آخر رسائل الحب المخبأة في صندوق بريدها العالي وتسليمها الرد، ويحمي خياله الخارق للطبيعة والمراوغ للنيازك من عبث الشياطين بالنوم تحت التينة الكبرى التي أتاحت غصونها ما يكفي من الظل والحلم والأوهام في ملاعب الأطفال أو دهاليز النبوءات المتخيلة.
ولكم عشقنا تلك المتنبئة الغجرية وخفنا من طعم البرية الأول في غربة عينيها… وحنان صدرها البري.
كانت تقرأ لنا الطالع مقابل صحن طبيخ أو ساندويشة فلافل وكنا نتسابق على جلبها ولو بالدين من المطعم فتمسك بيد كل واحد منا على الدور” سيكون لك قصر على باخرة بحجم هذا الكرم، وتعيش مبحرا مع امرأة جميلة كالأميرات، وسوف تسافر كثيرا حتى تجوب العالم”.
طبعا لم تكن نبوءآتها تختلف كثيرا بين مرة وأخرى غير أن الخط الأحمر كان أن تمنح لأحدنا نبوءة أفضل من الآخر، إذ كان ذلك سيتسبب بمشاحنات لا تنتهي وهكذا صارت توزع علينا الأحلام بالتساوي.
ما علينا
المهم قررت أن أفحص قدرتي على النظر عندما نصحتني دائرة السير والترخيص بالحصول على نظارة طبية.
جلست على مقعد فحص النظر وسألتني الممرضة: الى أين تتجه هذه الإشارة؟
فأجبت: إلى حيث تريدني أن أذهب.
قالت أين تقع عجيبة الدنيا الثامنة؟
فقلت في عينيك .
أخفت ابتسامتها الداخلية ثم قالت بحكمة معلمة ركز في السؤال:
فقلت : لعل هذا سبب فشلي المزمن في الدراسة لآنني ركزت دوما في الجواب
سألتني وهي تشير إلى صورة ذئب يتأهب للوثب
ماذا ترى؟
فقلت:
لو كنت أعمى لما كنت الضحية.
فقالت:
لكنك تجلس الآن على مقعد فحص النظر!
وأجبت : نعم علي أن أتأكد أن موسوعة الصور في ذاكرتي صحيحة اذ بدأت تنتابني الشكوك.
تبسمت ثم دارت حول خصرها وقالت:
سأعيد لك الإمتحان.
ثم همست:
مع أنك بالطبع لن تنجح بعدها ككل العاشقين الميئوس من شفائهم من الجنون.
وهكذا بعد الإعادة الثالثة للإمتحان خرجت بشهادة ” كفيف” مذيلة بنصيحة أن أبادر فورا إلى تعلم أبجدية برايل .
فقلت:
لعل الرؤية باللمس تكون أوضح.
أكييد …….