1-2
توضيحا للعنوان ابتداءا .. فالغربال هو أداة الفلاحين في تنقية الحبوب من الحصى والزيوان والعوالق … “والرمطة” هي المرأة الكسولة الرخوة .. كثيرة الذرائع، لتخفي فشلها،في اداء واجباتها تجاه بيتها وعائلتها .. ومن المفردات المرادفة لمعناها “النايطة” ..
وغربال النايطة أو الرمطة هو الغربال الذي تقوم هي باحداث ثقوب كبيرة فيه كي تستعجل الانتهاء من الغربلة، ولو بمحصول مليء بالزيوان، والحصى، والتراب، حتى لا يصلح لطعام ولا يسد حاجة.
أما ليفة العايبة فالعايبة حسب الحكاية هي صديقة الرمطة التي تقوم برمي ليفة الحمام فوق ثقوب الغربال لتخفي نياطة صاحبتها .
وقد اخترت هذا العنوان لتشخيص ما يجري في البلاد العربية ومنها سوريا ، لا لأنه ،بمقدار ما ينطبق على النظام، .. بل لأنه ينطبق بنفس الدرجة على ما يعرف بالمعارضة السورية ايضا .. وبدرجات متفاوتة كذلك ينطبق على الذين اخذوا هذا الجانب او ذاك ، كل لأسبابه ، دفاعا عن هذا الطرف، او هجوما على ذلك بين النظام، ومن يحتجون عليه، من الكتاب والمثقفين وحتى الساسة العرب، حيث يسقط المنتفضون العرب بدمائهم وتزهق ارواحهم ويتغير مصيرهم الى الأبد في براثن معادلة الغربال والليفة .. غربال الرمطة وليفة العايبة.
ملاحظة اولى مهمة:
لا بد كذلك من توضيح ان من بين طبائع البشر عامة في الأزمات والظروف العصيبة ان تشيع بينهم ذهنية( اما … أو)، اي اما معي او ضدي، كما لخصها بوش الأبن ، إما هذا او ذاك ، ليل او نهار .. في ظل هذه الذهينة تغيب الألوان، والتدرجات، وتختفي التباينات بوصفها ثمرة للتنوع الذي يشكل في التحصيل النهائي مكونا مركزيا في بنية كل مجتمع، وأحد ركائز كل دولة وكل نظام سياسي .
- الانتفاضة العربية .. وعلاقتها بما يجري في سوريا :
هناك حقيقة واقعة افترض ان نكرانها ابتداءا يعني الانزلاق في خطأ سيقود الى سلسلة اخطاء في القراءة والفهم والتحليل ، هي العلاقة الجوهرية بين ما جرى في تونس وما جرى في بقية البلاد العربية، ربما يصفها المريبون بتساقط احجار الدومينو، فهم يرون الوطن العربي أحجار منفصلة ، ونراه وحدة رغم عقود التفتيت والتفكيك منذ عملية منع الوحدة والتفكيك الكبرى التي جرت في الوطن العربي بعد انهيار تركيا ، وليس انتهاءا بانتصار المقاومة عام الفين واندحار العدو من لبنان والتي وجدت صداها فورا في فلسطين فاندلعت انتفاضة الأقصى.
ان تكرار الأنظمة العربية تباعا لمقولة :مصر ليست تونس واليمن ليست مصر وليبيا ليست سوريا وبقية “خريفة الذبانة” ،من الحديث عن المندسين والأيادي الخارجية وليس انتهاء “بالخطر الاسلامي” يدلل على سوء فهم كارثي ، أقله ان هذه الأنظمة قد تجاهلت عن قصد حقيقة مسلمة في كل البلاد العربية هي انها في التحصيل النهائي شعوب مسلمة، وسواء بفعل قوى وتيارات ام بمفاعيل الحرب بالوكالة كالحرب على الإرهاب التي ثبت بأدلة متراكمة انها مقالب انظمة ، وتلبيس طواقي كانت تتمسح بنيل الرضى الأمريكي على حساب ما يراه الناس عقيدتهم وما يؤمنون به، وله فعله في النهاية في تقييمهم للأنظمة ،وحكمهم عليها.
ومع ادراكي لما قد يراه البعض انزلاقا في الوعظ فإن اغفال هذا العامل في التحليل سيسقط جزءا مهما من ادراك الواقع، وهو ذاته الذي جعل الأنظمة تنزلق في ردات فعل زادت من سعير الانتفاضة ضدهم ، كاطلاق خراطيم المياه على المصلين في ميدان التحرير، واقتحام المسجد العمري في درعا في بداية الآحداث في سوريا وقصف الجوامع في ليبيا واليمن، وقبلها القرارت التي اتخذتها ليلى الطرابلسي في تونس ومثلها سوزان مبارك في مصر.
تريد ان تحكم شعبا اذن عليك ان تحترم عقيدته، وما يؤمن به الناس ، ولعل حرص الحكام ملوكا ورؤساء على اداء صلاة العيد، ومناسك العمرة وتدشين الجوامع، مع حشد من المصورين والآعلاميين للمفاخرة بعلو مآذنها، لا يعدوا ان يكون محاكاة فانتازية لما يعتبره شعبهم دينه، والشريعة التي يؤمنون بها، فقد كان بن علي يعود من صلاة الجماعة في “جامع التلفاز” ووراء امام مذيع، ليدير تهريب المخدرات، ويرجع من العمرة ليوقع على مسودات القوانين التي دستها زوجته تحت مخدته ، وتعد مخالفة صريحة لنصوص لا لبس فيها في القرآن… ونسأل هل أسهمت تلك القوانين العتيدة في رفع الفقر عن الملايين ، أم حلت مشكلة البطالة؟ وهل صدفة غريبة ان يكون مفجر سلسلة انتفاضات العرب هو عاطل عن العمل اسمه البوعزيزي.. لم يكن يقدر على الزواج من امرأة واحدة حين اكتشف ان رئيسة مشغول بتحريم تعدد الزوجات فأرسل له شرطية تذله وتصادر عربة خضاره؟!
يعني هل كان مشروع بن علي ومثله مبارك والقذافي ابو كتاب اخضر وعلي صالح مجرد مشاريع دين مضاد، أو دين جديد مثلا؟ فتركوا مهماتهم الجوهرية كرؤساء واشتغلوا على النبش في عقائد الناس؟ وتسليط اجهزة امن تشتم دينهم في التحقيقات وترمي القرآن بالمراحيض اسوة بمدربيهم الأمريكيين، وتحصل على وكالة خاصة وحصرية من أمريكا لتعذيب المتهمين بالإرهاب على اعتبارها صارت “بيوت خبرة” في هذا المجال .
خبرة اداتها غربال الرمطة .. تحدث المزق متعمدة في الغربال .. فتسقط منه القمح مخلوطا بالحصى والعوالق، والمجالس النيابية، والدستور والشيكات الأمريكية وسماسرة الشقق والعقارات، وتجارة الغاز، وتهريب المخدرات، فلا مشاريع حقيقية ولا ثروات توزع ، ولا تنمية يلمس نتائجها الناس على سعر ساندويشة فلافل يضعونها في حقائب ابنائم المدرسية ، ويسقط فوق قمح الرمطة المخلوط جماعات لا يعرف احد كيف نبتت ، ولا من اين هبطت من الإرهابيين الجاهزين للاعتراف ولو بتفجير كوكب الزهرة … قبل ان تظهر العايبة من أجهزة اعلام ، ومنحدثين رسميين بليفتهم ليلقوها على الغربال ويخفوا الحقيقة.
اذن من قال ان ليبيا ليست تونس ، وسوريا ليست مصر وبقية سلسلة (الليسات) العربية ؟
انها كلها انظمة عائلات حاكمة، تحتكر الثروات والمناصب العليا وتجارة النفط وصفقات السلاح ، وتدير السلطات كافة في الخفاء ، فلا قضاء ، ولا عدل، ولا مجالس نواب، ولا تعليم منسجم مع رؤية، اجتماعية او مشروع اقتصادي استراتيجي ..
مجتمعنا يحتاج الى عمال افران لإنتاج الخبز ومزارعين وعمال في معامل الطوب ، وجامعاتنا تخرج تخصص ( آي تي)؟ وجيولوجيا وعلم طبقات ارض! ! حتى صورة رغيف الخبز في كتب تعليم الأطفال هي صورة رغيف هامبورغر !!
2-2
وتقع كل الأنظمة في خطيئة كارثية : هي الإدعاء ان ما يشهده البلد من تطور في هذا المجال او ذاك هو صنيعة النظام ، ويصرون على تجاهل ان هذه المنجزات هي من الشعب وله، ومن موارده ،وغالبا ما تكون على حساب حاجاته وحقوقه، لا من جيب النظام ولا منة منه، لكن الحديث في هذه الخطيئة يكشف حقيقة كارثية بقدر ما هي مأساوية هي ان هذه الأنظمة ترى نفسها نبيا هبط من السماء او جاء من كوكب علوي لتطوير البهائم والرعاع ، الأمر الذي يفسر لماذا تطابقت مسلكيات هذه الأنظمة مع المستعمرين ، واكذوبة الإنتداب ، حيث يقوم المتحضر المتقدم ، “المقطوع شكله” بتطوير المتخلفين ونهبهم، وبتعليمهم ثم قتلهم ، ويفسر لماذا بعد أكثر من نصف قرن من خروج المستعمرين ما زالت تحافظ تلك الأنظمة على المركبات الإجتماعية المتخلفة، من طائفية وعشائرية ، واقطاع، واصحاب امتيازات وفساد؟
وكل الأنظمة على الأطلاق تؤكد على دعمها للحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني .. متكئين على تنظيمات وحركات تحرير تهرأت حتى انبرى منها العقل واللحم والركب… فصاروا في حقيقتهم رمطات وعايبات بكامل غرابيلهن الممزقة وليف حمامهن القذرة؟ وتحولوا الى عصابات تدير العالم الورائي للأنظمة وتلبي رغباتها حتى السفلي والرخيص منها؟!
احتجاجات ام عصابات مسلحة:
ابتداءا لست افهم على ماذا يرتكز من ينفون نفيا مطلقا وجود مندسين؟ أو راكبي امواج، من ذوي الارتباطات الخارجية، ضد الشق الذي لا يعجبهم، ولا ينسجم مع طموحاتهم من السياسات التي انتهجتها سوريا بما في ذلك دعمه للمقاومة، كما لست افهم على ماذا يبني النظام انكاره لوجود احتجاجات لأناس هم خيرة الشعب السوري وذخيرته الحية، الذين بهم صمد وعلى صمودهم بنا خياراته السياسية ، وانحيازاته خلال ظروف عصيبة مرت بها سوريا لم يكن اولها الحصار الإقتصادي الذي فرض عليها دوليا ،وبلغ ذروته في عقد الثمانينات، ولا كان آخرها انحياز سوريا الى مشروع المقاومة متمثلا بدعم أكبر مقاومتين قائمتين حتى الآن هما اللبنانية ، ومن ظل على قيد الحياة من المقاومة الفلسطينية؟!
ولكن هل بوسع النظام ان يعترف بأن المندسين لا يمكن ان يقتصروا فقط على المحتجين من عامة الناس .. وأن بنية النظام نفسه وأجهزته الأمنية بالذات التي تتصرف كأخواتها من أجهزة امن العرب باعتبارها فوق كل سلطة ، وقانون هي عرضة ايضا للاختراق؟ ولأن تشتمل على مندسين ، وفاسدين؟
الا يشكل نجاح العدو الصهيوني في اغتيال القائد عماد مغنية مؤشرا كافيا على وجود اختراق ، وكذلك اغتيال عدة شخصيات في الجيش السوري، ناهيك عما شاع حتى لم يعد يخفى على احد من ظواهر الفساد والتهريب، وضلوع شخصيات نافذة فيه؟
ثم ما الذي يعنيه اصرار النظام على الزعم بأن احتلال العراق والحرب على لبنان كانت سببا في تعطيل عجلة الاصلاح ووقف مشاريعه؟ ونحن نعرف ان الدول توجد وتوجد الأنظمة كي تستمر عجلة الحياة حتى في الأزمات؟
لماذا ينبغي ان يتشكل النظام من مؤسسات تحترم بعضها ؟ مالذي كان يفعله وزير الزراعة السوري اثناء الحرب على لبنان؟ ووزراء الصناعة والتعليم، والاعلام .. وبقية الطاقم الوزاري؟ بما فيه مجلس الشعب ؟
وهل توجد امة في التاريخ تطورت دون ان تكون عرضة للمؤامرات من كل نوع .. وهل مصدر هذه المؤامرات خارجي دوما وليس من بنية السلطة نفسها؟ وكم قرن وحقبة تاريخية ،وتبدل حكومات وقادة اجهزة ينبغي ان ينتظر الناس حتى تنتهي المؤامرات فيحظى الناس بحقوقهم في التنفس والطعام والتعليم والعدالة؟
الم تشكل هذه المعطيات بيئة خصبة لتراكم الاحتقانات في الشارع وما رافقها من ارتفاع فلكي في الأسعار حتى عادت غالبية الشعب السوري الى زمن الحصار، وأصبحوا خارج القدرة الشرائية لغالبية المواد؟ يعني اذا صمد الشعب على الحصار الدولي، فعلى حصار من سيصمد الآن؟ والى متى؟..
يتبع: حول الاعلام ودوره
جميع الحقوق لا يمكن حفظها
moh.aburah@gmail.com
